على أرض مصر، حيث تلتقي الرمال مع شواهد التاريخ، تبدأ قصة جديدة من قصص الكشف عن أسرار الماضي. هذه المرة، لا يقود الحملة علماء الآثار من أوروبا أو الولايات المتحدة كما اعتدنا، بل فريق من الصين، جاء من أقاصي الشرق ليغوص في عمق حضارة وُلدت على ضفاف النيل قبل أكثر من خمسة آلاف عام.
![]() |
| من شنغهاي إلى ممفيس |
انطلاقة غير مسبوقة:
في 24 أغسطس 2025، أعلنت صحيفة South China Morning Post عن مشروع بحثي مشترك بين متحف شنغهاي ومصر، يستهدف أطلال معبد سخمت غرب النيل في موقع ممفي، كما أعلن متحف شنغهاي، أحد أعرق المتاحف في الصين، عن بدء تعاون أثري واسع مع المجلس الأعلى للآثار المصري. المشروع يستهدف معبد سخمت الواقع في منطقة ممفيس القديمة، والذي يُعتقد أن تاريخه يتجاوز 5,100 عام. هذا الإعلان جاء بعد مسح أثري مبدئي أُجري في سبتمبر 2024 شمل عشرة مواقع، لتستقر البعثة في النهاية على اختيار ممفيس باعتبارها البوابة المثالية لفهم بدايات الحضارة المصرية.
ومن المقرر أن تبدأ أولى مواسم الحفريات في أكتوبر 2025، على أن يستمر العمل لشهرين متواصلين، في محاولة لإزاحة الستار عن أسرار أصول الكتابة المصرية، البنى الاجتماعية الأولى، والتجليات الدينية التي سبقت بناء الأهرامات.
![]() |
| متحف شنغهاي China 🇨🇳 |
تعاون غير مسبوق، إذ ستكون هذه المرة الأولى التي يشارك فيها فريق أثري صيني بعمق في موقع أثري جوهري من قلب الحضارة المصرية القديمة .
لماذا معبد سخمت؟
قد يتساءل البعض: ما الذي يجعل معبد سخمت محط أنظار العلماء؟
رمزية عظيمة: يُعد معبد سخمت جزءًا من ممفيس، التي كانت العاصمة الدينية والسياسية القديمة ومقر عبادة الإله بتاح.
إلهة الحرب والشفاء (معبودة ذات حدين): سخمت، تلك الإلهة برأس اللبؤة، لم تكن مجرد رمز للدمار. في العقيدة المصرية، هي القوة الحامية التي تجلب الشفاء كما تجلب الدمار. كان ملوك مصر يتقربون إليها طلبًا للنصر، فيما يلجأ إليها عامة الشعب لدرء الأوبئة والأمراض.
الأثر المعماري والديني: تشير المصادر إلى أن الملك أمنحتب الثالث أقام آلاف التماثيل لها، والتي انتشرت في معابد مصر الوسطى والجنوبية. اختيار ممفيس، العاصمة الأولى لمصر الموحدة، يعكس مركزية عبادة سخمت في الحياة اليومية والملكية.
مفتاح لفهم أصول المجتمع: عبر دراسة النقوش واللقى المرتبطة بمعبد سخمت، يسعى العلماء لفهم كيف تشكّل النظام الاجتماعي المصري المبكر (من السلطة الدينية إلى تنظيم المجتمع الزراعي).
ممفيس وسقارة: قلب التاريخ المصري
لا يمكن فهم اختيار موقع ممفيس دون التوقف عند مكانته التاريخية.
العاصمة الأولى لمصر الموحدة: أسسها الملك مينا (نارمر) حوالي 3100 ق.م، لتكون مركز الحكم والسياسة والاقتصاد.
(سقارة) جبانة الملوك: إلى الغرب من ممفيس، تنتصب هضبة سقارة التي تحتضن أول هرم مدرج في التاريخ، هرم زوسر (أولى لبنات تغير نظام العمارة الجنائزية في مصر القديمة) هنا أيضًا شُيد متحف إيمحتب الذي يضم مكتشفات مذهلة من المنطقة.
![]() |
| الهرم المدرج بسقارة أقدم بناء حجري في التاريخ |
![]() |
| جبانة منف (ممفيس) |
![]() |
| متحف إيمحتب بسقارة |
تقديس الحيوانات: من سقارة خرجت مومياوات القطط والطيور والتماسيح، شاهدة على تقديس المصريين للحيوانات وربطهم بينها وبين القوى الإلهية. وهنا يمكن الربط الرمزي بين سخمت (اللبؤة) وباستت (القطط)، ما يجعل الاكتشافات المرتقبة أكثر إثارة.
![]() |
| المعبودة باستت |
![]() |
| المعبودة سخمت |
بعثات أجنبية ومنافسة حضارية:
على مدى القرون الماضية، لعبت البعثات الأوروبية، خصوصًا الفرنسية والبريطانية والألمانية، الدور الأبرز في دراسة الآثار المصرية. منذ شامبليون وقراءة حجر رشيد، وحتى حفائر مارييت ولوير وأبرزها حفائر كارتر التي أخرجت كنوز توت عنخ آمون، ارتبط اسم مصر بالاكتشافات التي غيّرت مسار علم الآثار العالمي.
لكن دخول الصين على هذا الخط اليوم يفتح فصلًا جديدًا..
تنوع الرؤى العلمية: بينما ركّزت البعثات الغربية على الجوانب الفنية والمعمارية، يطرح الفريق الصيني رؤية لفهم الديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية المبكرة.
القوة الناعمة: لا يقتصر الأمر على العلم، بل يمتد إلى الدبلوماسية الثقافية، حيث تستخدم الصين الآثار المصرية لبناء جسور ثقافية تعزز علاقاتها مع القاهرة والعالم.
من المتاحف إلى الحفائر: الصين ومصر في مرآة الحضارة
الخطوة الأثرية تأتي بعد نجاح معرض "On Top of the Pyramid: The Civilization of Ancient Egypt" في متحف شنغهاي، والذي استمر 13 شهرًا وجذب أكثر من 2.7 مليون زائر، بإيرادات تجاوزت 760 مليون يوان (105.8 مليون دولار). هذا النجاح كشف تعطش الجمهور الصيني لاكتشاف الحضارة المصرية، وأثبت أن التاريخ يمكن أن يكون صناعة اقتصادية وثقافية في آن واحد.
![]() |
| متحف شنغهاي |
اليوم، يتحرك المتحف من خانة "العرض" إلى خانة "الكشف"، ليشارك في كتابة فصل جديد من التاريخ على الأرض المصرية نفسها.
![]() |
| اهتمام كبير بالثقافة والحضارة المصرية القديمة |
أبعاد التعاون: علمية ودبلوماسية
يظهر التعاون كنقطة تحول في العلاقات الثقافية بين الصين ومصر، تعكس تطورًا في الشراكة ليس فقط على الصعيد الاقتصادي ولكن أيضًا العلمي والحضاري . كما ينبع أهمية العمل من قدرته على إعادة تشكيل فهم الغرب للتاريخ المصري، عبر الابتعاد عن التفسيرات التقليدية الأحادية.
ما الذي يمكن أن تكشفه الحفريات؟
أصول الكتابة: قد تساعد النقوش أو البرديات المحتملة في إلقاء الضوء على تطور الهيروغليفية.
الطب والدين: ارتباط سخمت بالشفاء قد يقود إلى نصوص طبية أو طقوس علاجية لم نكتشفها بعد.
الحياة اليومية: أدوات الفخار، الحُلي، والأثاث البسيط يمكن أن تعكس أنماط العيش في ممفيس قبل آلاف السنين.
السياحة والاقتصاد الثقافي:
لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي. كل اكتشاف جديد في مصر يعني زيادة في الحركة السياحية، خصوصًا مع اهتمام عالمي يتصاعد كلما أعلنت مصر عن كشف جديد. التعاون الصيني قد يجذب موجات جديدة من السياحة الآسيوية، وهو ما يمثل فرصة لتعزيز موارد الدولة ودعم الاقتصاد الثقافي.
خاتمة: رحلة نحو الجذور
الحفريات المقبلة في معبد سخمت ليست مجرد تنقيب في الرمال. إنها رحلة نحو الجذور، نحو اللحظة التي وُلد فيها المجتمع، الدين، والكتابة. وفي وقت تتسابق فيه الأمم لإثبات مكانتها على الساحة الدولية، يبقى التاريخ المصري هو البوصلة التي تجمع الشرق بالغرب، الماضي بالحاضر.
ويبقى السؤال الأهم: هل سنشهد في ممفيس اكتشافًا يعيد رسم خريطة فهمنا لبدايات الحضارة الإنسانية؟
الإجابة في قلب الرمال، تنتظر من ينفض عنها الغبار.










ممتاز جدا جدا جدا ربنا يبارك فيك
ردحذفبسم الله ما شاء الله
ردحذف