في إطار استكمال سلسلة "عواصم مصر الإسلامية"، وبعد أن تكلمنا عن نشأة الفسطاط وتاريخ العسكر (ستجد المقال السابق هنا) اليوم محطة جديدة في تاريخ عواصم مصر الإسلامية، وهي مدينة القطائع، التي أنشأها أحمد بن طولون لتكون مقرًا لحكم الدولة الطولونية، ولتصبح لاحقًا شاهدة على تحول كبير في شكل العمران والنظام السياسي والإداري في مصر الإسلامية.
في هذا المقال، يأخذنا الكاتب يحيى السيد في جولة عبر الزمن لنتعرف على العاصمة الثالثة لمصر الإسلامية. تابعوا القراءة لاكتشاف أسرار العاصمة الثالثة لمصر الإسلامية.
القطائع
بقلم/ يحيي السيد
أكدنا فيما سبق أنه بعد وصول أحمد بن طولون إلى مصر نزل في دار الإمارة بمدينة العسكر العباسية، ومكث فيها على مدى عامين حتى ضاقت به وبأتباعه بعد أن استكثر من العبيد والرجال ، لذلك شرع في غضون سنة ٢٥٦هـ /۸۷۰م في تأسيس مدينة جديدة لتكون مقرا جديدًا لحكومته ورجال دولته، أراد بها أن يشبع طموحه نحو الترف والأبهة الذي عايشه شطرًا من شبابه الباكر في مدينة سامراء حاضرة الخليفة المعتصم التي بقيت صورتها ماثلة في ذهنه، وأراد أن تكون عاصمته الجديدة أشبه شيء بالبيئة التي نشأ وترعرع فيها، فركب إلى جبل المقطم ونظر إلى ما حوله، فرأى إلى الشمال الشرقي من العسكر بقعة من الأرض مساحتها ميل مربع لا شئ فيها من العمارة سوى بضعة قبور لليهود والنصارى فأمر بحرثها واختط في موضعها مدينته الجديدة وبني القصر والميدان وأذن لأصحابه وعلمائه وأتباعه أن يختطوا لأنفسهم حوله فاختطوا وبنوا حتى اتصل البناء بعمارة العسكر والفسطاط و أقطع كل جماعة منهم قطيعة سميت باسم من سكنها، فكانت للنوبة قطيعة، والروم قطيعة، والفراشين قطيعة لذلك سميت العاصمة بالقطائع.
كان يخترق المدينة شارع كبير يصل بين قصره وجامعه الذي شيده فوق جبل يشكر سمى الشارع الأعظم تشبيها له بالشارع الأعظم الذي كان يخترق سامراء ويمتد عدة كيلو مترات إلى قصر بلوكورا وجامع أبي دلف في شمال سامراء، وتفرقت فيها السكك والأزقة وبنيت فيها المساجد الحسان والطواحين والحمامات والأفران وسميت أسواقها، فقيل سوق العيارين، وكان يجمع العطارين والبزازين وسوق القاميين وكان يجمع الجزارين والبقالين والشوائين وسوق الطباخين ويجمع الصيارف والخبازين والحلوانيين، كما أفرد لكل صنف من جميع الصنائع سوقًا حسنًا حتى نافست القطائع ما كان في الفسطاط من عمران وصارت أعمر وأحسن من الشام على حد تعبير البلوى، ومتأثرة إلى حد كبير بتخطيط مدينة سامراء التي شيدت في العراق سنة ٢٢١ هـ / ٨٣٦م بما في ذلك عمائرها، فقد ألحق أحمد بن طولون بقصره ميدانًا فسيحًا يضرب فيه بالصوالحة فسمى القصر كله بالميدان وكان كل من أراد الخروج من صغير أو كبير إذا سئل عن ذهابه يقول: إلى الميدان وعمل للميدان تسعة أبواب لكل باب اسم خاص به مثل باب الميدان الذي خصص لدخول وخروج معظم الجيش، وباب الصوالحة وباب الخاصة الذي خصص الخاصة أحمد بن طولون، وباب الجبل لأنه كان يلى جبل المقطم، وباب الحرم الذي خصص للخصيان والحريم، وباب الدرمون به إلى حاجب أسود عظيم الخلقة كان يجلس عنده، وباب دعناج نسبة إلى حاجب آخر كان يجلس عنده، وباب الساج؛ لأنه عمل من خشب الساج، وباب الصلاة؛ لأنه كان يفتح على الشارع الأعظم وهو الأرجح شارع الصليبة الحالي ومنه يتوصل إلى جامع ابن طولون، وقد عرف هذا الباب أيضًا باسم باب السباع؛ لأنه كان عليه صورة سبعين من الجص، كما كان يعلوه مجلس يشرف منه ابن طولون في ليلة العيد على القطائع، ليرى أفراد جيشه وتأهبهم وتصرفهم في حوائجهم، وكان يشرف منه أيضًا على النيل، ولم تكن هذه الأبواب تفتح كلها إلا في يوم العيد أو في يوم عرض الجيش أو يوم الصدقة وقد زاد خمارويه في هذا القصر الذي بناه أبوه ووسع فيه إلى أبعد الحدود.
وأضاف إليه قصرًا جديدًا خصصه لزوجات أبيه، وأفرد لكل واحدة منهن جناحًا خاصًا بلغت نفقات بنائه سبعمائة ألف دينار، وبنى فيه أيضًا قبة سماها الدكة وجعل لها الستور التي تقى الحر والبرد، وكان كثيرًا ما يجلس في هذه القبة ليشرف منها على جميع ما في قصره من البساتين والصحراء والنيل والجبل والمدينة، كما أقام أمام القصر بركة طولها خمسون ذراعًا في خمسين ذراع مُلئت بالزئبق؛ ليخلص مما أصابه من الأرق.
وجعل عليها سريرًا من آدم يحشى بالربح لينام عليه شد بخيوط من حرير إلى عمد من فضة، كان يرى لها في الليالي المقمرة منظر عجيب إذا تألف نور القمر بنور الزئبق و حول ميدان الصوالحة إلى بستان كبير غرس فيه أنواعا فريدة من الزهور وكسا أجسام النخيل نحاسا مذهبا، وجعل بين النحاس وأجساد النخيل أنابيب من الرصاص ينحدر منها الماء إلى أحواض كبيرة. ثم ينحدر الماء من هذه الأحواض ليسقى أرض البستان وشيد في هذا البستان برجا من خشب الساج المنقوش بالنقر النافذ ليقوم مقام الأقفاص وزوقه بشتى أصناف الأصباغ، وبلط أرضه، وجعل فيه مجارى الماء وأطلق فيه شتى أنواع الطيور ،كما شيد في داره مجلسا سماه بیت الذهب على جدرانه بالذهب واللازورد وجعل فيه على مقدار قامة ونصف، نقوشا بارزة من الخشب تمثل حظاياه والمغنيات نقشت ثيابها بالأصابع العجيبة، وجعل على رؤوسهم الأكاليل الذهب الخالص والكوادن المرصعة بأصناف الجوهر، وفي أذانهن الأجراس الثقال الوزن.

