الاثنين، 21 يوليو 2025

"هل خُلق بعض البشر للقتل؟ من كريم سليم إلى فراعنة مصر: الجين القاتل بين التاريخ والعلوم العصبية

قضية “سفاح التجمع” .. القتل المتسلسل والجين القاتل والشخصية السيكوباتية عبر التاريخ



1. القصة الكاملة لقضية كريم سليم، المعروف إعلاميًا بسفاح التجمع، حتى لحظة تنفيذ حكم الإعدام في سبتمبر 2024.


2. تحليل علمي للجين القاتل MAOA، وعلاقته المحتملة بالسلوك الإجرامي.


3. علم النفس السيكوباتي وتحليل الشخصية من منظور الطب النفسي العصبي.


4. نظرة تاريخية على تاريخ مصر القديمة: كيف تعامل الفراعنة مع الجريمة، وهل رصدوا سلوكيات مشابهة؟
 

 

  في أيلول/سبتمبر 2024 أثارت محاكمة “كريم سليم” المعروف إعلاميًا بـ«سفاح التجمع» دهشةً وخوفًا في الشارع المصري.

 

 


فرجلٌ في منتصف العمر، مدرس لغة إنجليزية، استدرج ثلاث سيدات إلى شقته في التجمع الخامس، وأعدّ «غرفة موت» عازلة للصوت ليعذّبهن ويقتلهن بعد إسقاط براءتهن جن*سيًا وتعاطي المخدرات.
 ورصد التحقيق أنه صور نحو 300 مقطع فيديو فظيع لممارساته الإجرامية قبل وبعد قتل الضحايا، ثم تخلص من الجثث في صحارى بورسعيد والإسماعيلية. 
قبل أيام من الجلسة أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمًا بالإعدام عليه شنقًا، وأيدته محكمة الاستئناف لاحقًا.

 

 استحوذت هذه القضية على اهتمام ملايين المصريين لشدّة فظاعتها وتعقيد تفاصيلها، ما دفع البعض للتساؤل عن دوافع سفاحية خفية أبعد من الأدلة المرئية..


بين الجينات والسلوك الإجرامي: دور جين MAOA


 

حين يتكلم الجين... MAOA (جين العنف)


في أوائل الألفينات، تصاعد اهتمام العلماء بجين يُسمى MAOA، يُلقّب إعلاميًا بـ"جين القاتل" أو جين العنف.

هذا الجين مسؤول عن تنظيم بعض المواد الكيميائية في الدماغ، مثل:

الدوبامين (المرتبط بالمكافأة والسلوك المحفّز)،

والسيروتونين (المرتبط بالهدوء والمزاج).

دراسات كثيرة أشارت إلى أن النسخة منخفضة النشاط من هذا الجين تجعل الإنسان أكثر اندفاعًا وعدوانية، خصوصًا إذا كان قد تعرّض في طفولته للإيذاء أو الإهمال.

ومن هنا، ظهرت فكرة: الجينات لا تخلق المجرم، ولكنها قد "تُعدّه" إذا وُجدت الظروف المناسبة. 

 



في محاولة تفسير سلوك القاتل المتسلسل وراثيًا، تناولت الدراسات العلمية جين MAOA المعروف باسم «جين المحارب» أو «جين القاتل». فهذا الجين المسؤول عن تصنيع إنزيم أحادي الأمين أوكسيديز A يؤثر على مستويات النواقل العصبية (الدوبامين والسيروتونين) في الدماغ. وقد ارتبطت طفرات أو نسخ منخفضة النشاط من هذا الجين بزيادة احتمالية السلوك العدواني. ففي دراسة تابعة لأكاديمية العلوم الأميركية (2009)، ظهرت اضطرابات سلوكية وعدوانية أشد لدى أفراد يحملون الأليل منخفض النشاط من MAOA عند تعريضهم لاستفزاز مقارنة بمن لا يحملونه. وبكلمات من الباحثين، جنى الجين MAOA عليه لقبه («warrior gene») لارتباطه بالتصرّف بعنف تحت الضغوط.

إلاّ أن الأغلبية العظمى من الخبراء تحذر من ربط الجينات وحدها بالإجرام. فالعلم الحديث يُؤكد أن الميول الإجرامية تتشكل بتفاعل معقّد بين الوراثة والبيئة. الاستعداد الوراثي لا يكتب مصير الإنسان، فقد ينشأ طفل لديه مورثات MAOA تميل به للعنف، لكن تنشئته السليمة ومجتمعه المحيط قد تكبح هذه الميول العنيفة. وبالمقابل قد يغرق أشخاص بلا استعداد وراثي في عالم الجريمة بسبب بيئات قاسية وظروف اجتماعية صعبة. 

تحليل الشخصية: نظرة سيكوباتية

 

       من منظور علم النفس الجنائي، بدا “سفاح التجمع” مثالًا على الشخصية السيكوباتية بامتياز. فالخبراء النفسيون يؤكدون أنّ هذه الشخصية تُميّزها اللامبالاة بمشاعر الآخرين، والافتقار التام للندم أو الضمير. فمثلًا أكّد استشاريون نفسيون مصريون أن شخصية المجرم المعني تعاني “اضطرابًا عميقًا وميولًا عنيفة”، وأنه “أصبح مجرمًا سيكوباتيًا” بلا وازع أخلاقي. وتضمنت سمات السيكوباتية وفقًا للخبراء: الكذب والتلاعب من أجل تحقيق الأهداف الخاصة، والاندفاع لارتكاب أعمال عنيفة دون تخطيط، والثقة المفرطة بالنفس والغرور.

    يتطابق هذا الوصف مع تقارير التحقيقات: فالقاتل مثّل ضحاياه ربطًا وتعذيبًا أثناء جريمته، واستلذّ بالقتل، وصوّر أفعاله الوحشية دون أي تعبير عن ذنب. 
كل هذا يشير إلى غياب التعاطف وانعدام الشعور بالذنب، وهما علامتان أساسيتان للشخص السيكوباتي. بل أشار أحد الخبراء إلى أن “ميوله الاستعراضية والهستيرية” واهتمامه بالتوثيق (الفيديو) تعكس اضطرابات شخصية عميقة مبكرة.

 

فالسيكوباتيون غالبًا ما يُظهرون سلوكًا عرضيًّا ومشوقًا في البداية (الحديث الجذاب) ثم يتحولون إلى قسوة وتمييز مُرْعب في العلاقات، تمامًا كما يفعل هذا المتهم.

 


نظرة تاريخية: مصر القديمة والجريمة

في مصر الفرعونية القديمة لم يكن هناك مفهوم الجريمة المتسلسلة بالمعنى الحديث، لكن كانت الجريمة تُنظر باعتبارها خرقًا لقاعدة “الماعت” (الحقيقة والعدالة) الكونية.

 


فقد شدّد المصري القديم على فضيلة المأمورية والحق، وعاقب أي خروج عن القواعد الأخلاقية بحزم. لذلك كان القتل العمد – وخاصة المبيت – يستحق الإعدام بلا تمييز اجتماعي. لقد أعاد الأمراء والقضاة المصريون ضرب مثالٍ في تقديس الحياة؛ فابن يقتل أباه يُلقى في نار الأشواك بعد تعذيبه، بينما الأب الذي يقتل ابنه يُجبر على عناق جثة ابنه المتحلّلة كتعذيب نفسي .

 

وحتى من امتنع عن الإبلاغ عن جريمة قتل يُعامل كمتواطئ ويعاقب كالعنصر الفاعل.

أما من الناحية العقائدية، فلم يعرف المصري القديم فكرة “خلل داخلي” وراثي كسبب للجريمة.

 

فالأمور الغريبة كانت تُنسب إلى غياب المأمورية والعدل أو تدخل القوى الخارقة.

 

وكان يُنظر إلى الجنون والاضطرابات النفسية باعتبارها علامات روحانية أو دينية – فأضرحت المعابد في وادي الملوك كانت ملاذًا للعلاجات الروحية بالتمائم والأدعية. وكان يُعتقد أن الأمراض العقلية تنتج عن تشوّهات في قلب الروح أو تأثير الأرواح، فتُعالَج بالتعاويذ والأعشاب، لا بتشخيص بيولوجي. باختصار، اعتمد المصري القديم على القوانين الأخلاقية المنتصرة (الماعت) وعلى ردع المخالفين بشدة، دون أن يتحدث عن استعداد عصبي أو خلل وراثي يولد مع الإنسان.


 

 هل وُجد "جين العنف" في مصر القديمة؟


قد يبدو السؤال خياليًا، لكن علماء الجينات يحاولون اليوم تحليل الحمض النووي للمومياوات، لمعرفة ما إذا كانت الجينات المرتبطة بالأمراض النفسية موجودة في الحضارات القديمة.


في مصر القديمة، نقرأ عن "ملوك طغاة"، و"أمراء قتلوا إخوتهم"، مثل:

رمسيس الثالث الذي تآمر عليه ابنه بمساعدة زوجته الثانية.

أو حتى سيتي الأول الذي وصل للحكم بعد اضطرابات غامضة بعد موت إخناتون.

ورغم أن المصريين القدماء لم يملكوا علم الجينات، إلا أنهم كانوا على وعي بالغ ببعض الظواهر النفسية:

  • نصوص "التحنيط" ذكرت ضرورة تهدئة روح الميت حتى لا تعود غاضبة.


  • وفي البرديات الطبية، وُجدت وصفات لعلاج "الهلوسة"، "الخوف"، وحتى "نوبات الغضب".




فهل يُمكن أن يكون بعض هؤلاء الملوك أو القتلة قد حملوا هذا الجين؟

وهل الجريمة سلوك مكتسب فقط؟ أم أن التاريخ والجينات يتكرّران في صمت؟

 

وفي الأفق يظل السؤال فلسفيًا: هل يكمن داخل كل إنسان “شياطين” بانتظار انفجارٍ في ظروف معينة؟ يجمع علماء الجينات والنفس على أن الجينات تُمهّد الطريق ولا تجرّم بالضرورة. وفي الوقت نفسه، تؤكد دروس التاريخ والعدل القديم أنّ المجتمع لم يغفل دور مواجهة “الأشرار” بمنطق الحزم، لكن لم يسعَ لتبرير ذلك بنزعة طاغية كامنة.

 

تبقى النهاية مفتوحة لتأمل العلاقة بين المصير والحرية، بين الموروث البيولوجي والضغينة البشرية في إطار سؤال : كيف نحمّل البشر مسؤولية شرورهم بإنصاف؟



 

هناك تعليقان (2):

  1. غير معرف21 يوليو, 2025

    مش معقول في الاخر كل الجرايم والمجرمين يكونوا كدا بسبب الجينات بس
    العلم صح وكل حاجة بس لا مش منطقي أن الجينات تكون السبب

    ردحذف
  2. غير معرف21 يوليو, 2025

    Very good condition

    ردحذف

Thanks for your support 💗

Featured post

بين المشرط والبردية: كيف شخّص القدماء الأمراض الباطنية؟

بين المشرط والبردية: كيف شخّص القدماء الأمراض الباطنية؟ لطالما ساد الاعتقاد بأن الطب القديم كان مزيجاً من الممارسات السحرية والوصفات العشبية...